صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

40

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً « 1 » ، فالشدة يعقبها الفرج ، وإن مع العسر يسرا ، يقول الشاعر : ولرب نازلة يضيق بها الفتى * ذرعا وعند اللّه منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها * فرجت وكنت أظنها لا تفرج وبعد التوكل واعتقاد الفرج فلا بد من الأخذ بالأسباب التي تساعده في الخروج من أزمة الابتلاء ، يقول ابن القيم : فالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويندفع بها المكروه ، فمن أنكر الأسباب لم يستقم معه التوكل ، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب وحدها ، فالأسباب محل حكمة اللّه وأمره ونهيه والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره . قال تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ « 2 » ، وقال عز وجل : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ « 3 » ، وقد استغاث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة الكرام بربهم يوم بدر - ولنا في المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم الأسوة الحسنة - فاستجاب اللّه لهم « 4 » ، وسجل القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ . . . « 5 » ، وقال عزّ من قائل : وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ « 6 » . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : حسبنا اللّه ونعم الوكيل . قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار ، وقالها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حين قالوا : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا ونعم الوكيل « 7 » ، « 8 » ، وعن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو أنكم توكلتم على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا » « 9 » . والتوكل يجعل صاحبه من أهل محبة اللّه تعالى الذي يقول : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ « 10 » . 6 - التهيؤ النفسي لما بعد الابتلاء : - الخطوة السادسة : إذا لم يجد المبتلى ذنبا في الحال - وهذا نادر - فليعلم أن هذا الابتلاء تمحيص له ، وتدريب على تحمل المشاق التي تؤدي في النهاية إلى ابتلاء من نوع آخر هو الابتلاء بالسراء أو التمكين في الأرض وهذا معنى قول الشافعي - رحمه اللّه - إن أحدا لا يمكّن حتى يبتلى « 11 » ، وذلك هو حال أولي العزم من الرسل

--> ( 1 ) الطلاق / 2 - 3 . ( 2 ) الزمر / 62 . ( 3 ) غافر / 60 . ( 4 ) انظر صفات : الدعاء - الاستعانة - الاستغاثة - التوكل - الضراعة والتضرع ، من هذه الموسوعة . ( 5 ) الأنفال / 9 . ( 6 ) الأعراف / 56 . ( 7 ) آل عمران / 173 . ( 8 ) البخاري - الفتح ( 8 / 4563 ) . ( 9 ) رواه الترمذي ( 2324 ) وقال : هذا حديث حسن صحيح . ( 10 ) آل عمران / 159 . ( 11 ) انظر عبارة الشافعي التي وردت في سياق الإجابة عن سؤال : أيهما أفضل للمرء ، الابتلاء أو التمكين ؟ وقارن ب « الفوائد لابن القيم ( 286 ) .